حمص: حسان نورالدين
في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية ووطنية ورياضية، وتعكس احتراماً لتضحيات الشهداء ومكانتهم في الوجدان السوري، بادر رئيس نادي الوحدة الرياضي ماهر المهاجر، ونائب رئيس النادي الكابتن نزار محروس، برفقة رئيس نادي الكرامة الرياضي فهر كالو، إلى تقديم واجب الاعتذار عما صدر عن فئة من جماهير نادي الوحدة من إساءة لرمز الثورة السورية ومنشدها الشهيد عبد الباسط الساروت، ولعائلته في حمص، ولمحافظ حمص، وذلك على خلفية ما شهدته مباراة كرة السلة الأخيرة من تصرفات مسيئة لا تنسجم مع قيم الرياضة وأخلاقها.
واستقبل محافظ حمص، السيد مرهف النعسان، رئيس نادي الكرامة فهر كالو، ورئيس نادي الوحدة ماهر المهاجر، في مقر المحافظة، قبيل توجه الأخير إلى منزل عائلة الشهيد عبد الباسط الساروت لتقديم واجب الاعتذار، في موقف يعكس إدراكاً للمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية التي تتحملها المؤسسات الرياضية تجاه المجتمع، وحرصاً على معالجة الإساءة بما يليق بمكانة الشهداء وأسرهم.
ولم تكن هذه المبادرة مجرد اعتذار عابر، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الرياضة، مهما اشتدت المنافسة في ميادينها، يجب أن تبقى مساحة للتلاقي والاحترام، لا منصة للإساءة أو الانتقاص من الرموز الوطنية والإنسانية التي تحتل مكانة راسخة في ذاكرة السوريين.
لقد شكّل الشهيد عبد الباسط الساروت، بصوته وهتافاته ومواقفه، إحدى الشخصيات البارزة في الذاكرة الشعبية للثورة السورية، وبقي اسمه حاضراً في وجدان كثير من السوريين بوصفه رمزاً ارتبط بالأغنية الثورية والتعبير عن تطلعات الناس وآلامهم، ومن هنا، فإن احترام ذكراه وعائلته يمثلان جانباً من احترام مشاعر شريحة واسعة من السوريين وتقدير ما يمثله الشهداء في ذاكرتهم الوطنية.
وفي هذا السياق، أكدت إدارة نادي الوحدة أن ما صدر عن بعض الجماهير لا يمثل النادي ولا تاريخه ولا عراقة جماهيره، مشيرة إلى أن مثل هذه التصرفات تسيء إلى النادي قبل أن تسيء إلى الآخرين، وتتناقض مع القيم الرياضية التي يفترض أن تجمع الجماهير على المحبة والتنافس الشريف.
كما جرى التأكيد على أهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة المتسببين في الإساءة، بما يعزز ثقافة المسؤولية، ويؤكد أن حرية التشجيع لا تعني تجاوز حدود الاحترام، وأن الانتماء الرياضي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للمساس بكرامة الآخرين أو الإساءة إلى الرموز الوطنية.
وكان لافتاً في هذه المبادرة حضور رئيس نادي الكرامة فهر كالو إلى جانب رئيس نادي الوحدة ماهر المهاجر ونائبه الكابتن نزار محروس، في مشهد يتجاوز حدود المنافسة التقليدية بين ناديين عريقين، ليؤكد أن العلاقات الرياضية الحقيقية تُبنى على الاحترام المتبادل، وأن الاختلاف في الألوان والشعارات لا يلغي القواسم الإنسانية والوطنية المشتركة.
فالوحدة والكرامة اسمان لناديين كبيرين، لكنهما يحملان أيضاً دلالة أوسع حين يلتقي ممثلوهما في موقف عنوانه الاعتذار وتحمل المسؤولية واحترام مشاعر الناس، وتبقى قيمة هذه الخطوة في الرسالة التي تحملها، وفيما يمكن أن تؤسس له من سلوك مسؤول داخل الملاعب وخارجها.
إن الاعتذار لعائلة الشهيد عبد الباسط الساروت ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل تعبير عن تقدير مكانة العائلة وحقها في الاحترام، وعن ضرورة صون الذاكرة الوطنية من الإساءة والتجريح. كما أن الاعتراف بالخطأ والعمل على تصحيحه يشكلان أساساً مهماً لترسيخ ثقافة الحوار والمساءلة، بعيداً عن التبرير أو التعميم.
وفي بلد أنهكته سنوات طويلة من الألم والانقسام، تكتسب مثل هذه المواقف أهمية إضافية، لأنها تذكّر بأن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للتقارب، وأن الأندية ليست مجرد مؤسسات تتنافس على البطولات والألقاب، بل هي أيضاً مؤسسات مجتمعية تتحمل مسؤولية ترسيخ الأخلاق والاحترام وتعزيز الروابط بين الناس.
إن قيمة الأندية الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات داخل الملاعب، بل أيضاً بمواقفها حين تقع الأخطاء، وبقدرتها على تحمل المسؤولية وتصحيح المسار. ومن هذا المنطلق، فإن المبادرة التي جمعت إدارتي الوحدة والكرامة في محافظة حمص، والتوجه لتقديم الاعتذار إلى عائلة الشهيد، تمثل رسالة ينبغي أن تجد صداها لدى الإدارات الرياضية والجماهير على حد سواء.
فالوفاء للشهداء يكون بصون ذكراهم واحترام أسرهم، والروح الرياضية الحقيقية تظهر في القدرة على ضبط الانفعالات والابتعاد عن الإساءة، أما المنافسة الشريفة فتبقى تلك التي تجمع الناس حول الرياضة، لا التي تفرقهم أو تجرح مشاعرهم.
وفي النهاية، تبقى الخطوة الأهم أن يتحول الاعتذار إلى ثقافة راسخة، وأن تترجم الكلمات إلى إجراءات مسؤولة تمنع تكرار الإساءة، وتحفظ للملاعب رسالتها النبيلة، وللشهداء مكانتهم، ولعائلاتهم حقهم في التقدير والاحترام.
تحية لكل موقف مسؤول ينتصر للأخلاق، ولكل مبادرة تجعل من الاعتذار جسراً للإصلاح، ومن الرياضة مساحة للوفاء والاحترام، ومن ذكرى الشهداء قيمة إنسانية ووطنية لا يجوز المساس بها.
وكان رئيس نادي الكرامة الرياضي د. فهر كالو قد قام مع عدد من أعضاء مجلس الإدارة وكوادر النادي ورابطة المشجعين، رفقة أعضاء من إدارة نادي أمية بزيارة قبر حارس الثورة الشهيد عبد الباسط ساروت في محافظة إدلب، حيث وُضع إكليلٌ من الزهور، وقراءة الفاتحة على أرواح شهداء الثورة السورية.
